ويبقى بشير الجميّل نقطةَ ضعفي التي لا أعتذر عنها
ويبقى بشير الجميّل نقطةَ ضعفي التي لا أعتذر عنها…
ليس لأنّ الضعف يُعاب، بل لأنّ بعض الرجال يتركون في القلب جرحًا لا يلتئم، ووهجًا لا ينطفئ مهما طال الزمن وتغيّرت الأيام.
في الثالث والعشرين من آب 1982، انتُخبتَ رئيسًا للجمهورية.
لم يفصل بين انتخابك واستشهادك سوى اثنين وعشرين يومًا.أيام قليلة، لكنها كانت كافية لنلمح معك لبنانًا كان يمكن أن يكون.
ثم جاء الرابع عشر من أيلول 1982، يوم عيد ارتفاع الصليب.
واستشهدتَ يا بشير.
ومنذ ذلك الحين، صار هذا اليوم موعدًا لا يمرّ عابرًا. فمع كلّ عيدٍ للصليب، ترتفع النيران فوق جبالنا، وتعود الذاكرة إلى الأشرفية… إلى تلك اللحظة التي رفضت أن تصبح مجرّد صفحة في التاريخ.
بعد كلّ هذه السنين، ما زلنا نعيشها بغصّتها كأنّها حدثت اليوم.
قتلوا جسدك، لكنهم عجزوا عن إطفاء حضورك.أرادوا إنهاء الحكاية، فإذا بها تبدأ من جديد في وجدان جيلٍ بعد جيل.
كتبتُ عن كلّ شيء تقريبًا:عن لبنان، وعن الشرق، وعن العالم.عن التاريخ والجغرافيا، عن الحرب والسلام، عن الدول التي تنهض وتلك التي تنهار، وعن الرجال الذين يصنعون الأحداث ثم يمضون.
لكنني، كلّما اقتربتُ منك يا بشير، توقّفت الكلمات على شفا القلم.
ليس لأنّ الكلام قليل، بل لأنّ الجرح أكبر من الكلام؛ ولأنّ اللغة، مهما اتّسعت، تبقى أضيق من الفراغ الذي تركته في بلدنا، وفي حياتنا، وفينا نحن.
ربما لأنّنا، في الرابع عشر من أيلول، لم نفقد رجلًا فقط.
فقدنا احتمالًا.فقدنا مشروعًا.فقدنا لبنانًا كان يمكن أن يكون.
ولهذا، لم تصبح مجرّد ذكرى.
بقيتَ فكرةً.بقيتَ حلمًا.وبقيتَ سؤالًا لبنانيًا لم يجد جوابه بعد.
ولهذا يا بشير، لن أبحث لك عن خاتمة، ولا عن قصيدة، ولا عن كلماتٍ أكبر من قدرتها على الاحتمال.
سأعود فقط إلى كلمة قلتَها يومًا؛ كلمة واحدة اختصرت الكثير:
«ونبقى».
نعم يا بشير…
ونبقى.
نبقى على العهد.نبقى على الفكرة.نبقى على حلم لبنان الذي لمحناه معك: لا ساحةً لأحد، بل وطنًا لأبنائه.
ونبقى… إلى أن نلتقي ثانيةً.
بيار مارون — لبنان