معيار واحد… أو لا دولة

 
في الأيام الأخيرة، انفجرت في لبنان ضجّتان: صور من مخيم إقليم جبيل الكتائبي، الذي أُقيم في جرود البترون بين ٢٨ و٣٠ آب، ظهر فيها مسير شبابي وسلاح إلى جانب النائب نديم الجميّل؛ وتصريح للشيخ أحمد اللقيس من على منبر الجمعة في جبيل عن تخصيص مكان للصلاة في الجامعة اللبنانية الأميركية، مرفقاً بعبارة عن «حلّ آخر» إذا لم تستجب الإدارة.
 
السؤال ليس: أيّهما أخطر؟ بل: أيّهما يخرق القانون؟ وأيّهما يوظّف الإكراه؟ وأيّهما يحاول فرض إرادة خارج مؤسسات الدولة؟
 
الصورة وحدها لا تُدين، والعبارة وحدها لا تُسقط الاستقرار. لكن كليهما يختبر قدرة الدولة على حماية معيار واحد للجميع.
 
في قضية المخيم، ظهور السلاح لا يكفي لإثبات تدريب عسكري أو مخالفة. إن كان السلاح مرخّصاً لعناصر حماية، فتنتهي المسألة عند حدود القانون؛ وإن لم يكن، فالمسؤولية تقع على القوى الأمنية والقضاء، لا على حفلة المزايدات على منصّات التواصل. لا إدانة مسبقة ولا تبرئة مسبقة: من يقول إنّ السلاح مرخّص لا يخشى التحقيق، ومن يتّهم عليه أن ينتظر نتيجته لا أن يسبقها.
 
لكن المشروعية القانونية لا تلغي المسؤولية السياسية والإعلامية. فحتى عندما يكون السلاح مرخّصاً، يبقى على القوى السياسية أن تتجنّب مشاهد يمكن أن تُفهم أو تُستثمر بوصفها استعراضاً مسلّحاً، خصوصاً في بلد ما زالت فيه مسألة السلاح خارج الدولة جرحاً سيادياً مفتوحاً.
 
وقد تحرّك القضاء فعلاً. فوفق معلومات نشرها موقع MTV، أحال مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم استنابة إلى شعبة المعلومات ومخابرات الجيش للتدقيق في الفيديو وتحديد هوية حاملي السلاح ومعرفة ما إذا كانت الأسلحة مرخّصة. وهذا هو المسار الصحيح: تحقيق، ثم نتيجة معلنة، ثم مسؤولية محدّدة.
 
ولا يعني ذلك مساواةً بين سلاح مرخّص للحماية، متى ثبت ذلك، وبين سلاح منظّم قائم خارج سلطة الدولة. فالأخير يبقى، بحجمه ووظيفته واستمراره، التحدّي السيادي الأخطر والأكثر بنيوية. وتحرّك القضاء في ملف المخيم واجب، لكنه لا يغني عن مواجهة هذا الملف الأكبر والمزمن.
 
وفي قضية الجامعة، لا مشكلة في أن يطالب الطلاب بمكان للصلاة؛ فهذا مطلب مشروع يمكن طرحه ومناقشته ضمن أنظمة الجامعة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحوّل مطلب قابل للنقاش إلى وسيلة ضغط، وتصبح أكثر حساسية عندما يأتي التلويح بـ«حلّ آخر» من فوق منبر ديني في يوم الجمعة.
 
وعبارة «حلّ آخر» ليست تفصيلاً لغوياً يمكن المرور عليه بسهولة. هي عبارة قد تُفهم على أنها تلويح بضغط خارج المسار المؤسسي، ولذلك يقع عبء توضيحها كاملاً على قائلها. إن كان المقصود مراجعة إدارية أو قانونية أو احتجاجاً سلمياً، فليُقَل ذلك صراحة وبلا مواربة. أمّا إذا كان المقصود تعبئة الجمهور أو ممارسة ضغط ديني وشعبي لفرض قرار على مؤسسة أكاديمية خاصة، فنكون أمام تجاوز لحدود المطالبة المشروعة ومحاولة لفرض الإرادة من خارج مؤسساتها.
 
والفاصل واضح: المطالبة حق؛ أمّا فرض القرار من خارج الأطر المؤسسية فليس حقاً.
 
والجامعة اللبنانية الأميركية مؤسسة أكاديمية خاصة ومستقلة وغير طائفية، ومن حقها أن تبتّ في هذه المسألة وفق أنظمتها وإجراءاتها، بلا وصاية أو ضغط أو تهديد.
 
جوهر المشكلة: الانتقائية
 
ليس الاعتراض على تحرّك القضاء في ملف الفيديو — فتحرّكه واجب — بل السؤال: هل يتحرّك بالسرعة والحزم نفسيهما حيث السلاح أكبر وأكثر تنظيماً؟
 
وللإنصاف، المفوّض نفسه سبق أن ادّعى على عناصر من حزب الله بجرم حيازة ونقل أسلحة حربية. لكن المسافة بين استنابة تُفتح خلال ساعات على فيديو، وبين ترسانة تُناقَش منذ سنوات بلا تنفيذ، هي المسافة التي يعيش فيها الشك اللبناني.
 
أما الكلام الذي قيل من على المنبر، فلم يُعرف أنه استدعى أي إجراء. وقد يكون للفارق سند قانوني: فحيازة السلاح غير المشروعة واقعة محدّدة قد تستدعي تحرّكاً قضائياً مباشراً، بينما العبارة الملتبسة تحتاج إلى تكييف قانوني وتحديد لمضمونها وسياقها. لكن على الدولة أن توضّح هذا الفارق للناس بدل أن تتركهم يستنتجون أن للمنبر حصانة لا يتمتّع بها غيره. فحين يُفسَّر الصمت طائفياً، يخسر القانون هيبته حتى وهو على حق.
 
وحرية الرأي مكفولة دستورياً ضمن دائرة القانون، فيما تجرّم المادة 317 من قانون العقوبات إثارة النعرات المذهبية والحضّ على النزاع بين الطوائف عند توافر عناصرها القانونية. فلا حرية تعني حقّ الإكراه، ولا غموض يبرّر التلويح بضغط خارج الأطر المشروعة.
 
والتهديد أو التلويح بالضغط لا يصبح مقبولاً لمجرد أنه صيغ بعبارات مهذّبة ولم تُرفع خلاله بندقية. بل إن صدور كلام ملتبس من فوق منبر ديني يفرض مسؤولية أكبر على صاحبه في توضيحه، لأن للمنبر قدرة على التعبئة والتأثير تتجاوز الكلام الفردي العابر.
 
هذه هي المعادلة التي دمّرت لبنان: سلاح يُبرَّر بسلاح، وضغط يُبرَّر بضغط، وطائفة تُعفي نفسها لأن طائفة أخرى تجاوزت القانون قبلها.
 
وهو درس دفع اللبنانيون ثمنه مراراً: بالسلاح الفلسطيني في الستينيات والسبعينيات، وبالوصاية والسلاح السوري في الثمانينيات والتسعينيات، وبالسلاح الإيراني عبر حزب الله بعد ذلك. والبلد دفع الثمن كاملاً.
 
ولا يمكن أن يقوم معيار واحد فعلاً ما دامت الدولة لا تحتكر السلاح والقرار الأمني. فمن دون حصر السلاح بيدها، يبقى تطبيق القانون ناقصاً، وتبقى السيادة موضع نزاع مهما كانت النصوص واضحة.
 
المعيار الواحد واضح: لا سلاح خارج الدولة. لا تهديد خارج المؤسسات. لا مطالب تُفرض بالقوة أو بالخوف أو بالتحريض الطائفي.
دولة واحدة… قانون واحد… لجميع اللبنانيين.
 
 
بيار أ. مارون
باحث ومحلل استراتيجي
رئيس منظمة دروع لبنان الموحد