ما وراء الضجيج: صدمة النفط تكشف البنية الحقيقية للقوة الإيرانية

 

تُنسب إلى جوزيف ستالين عبارة قالها، بحسب الرواية التي نقلها ونستون تشرشل في مذكراته، لوزير الخارجية الفرنسي بيار لافال عام 1935، حين طلب منه هذا الأخير تحسين وضع الكاثوليك في روسيا إكرامًا لخاطر الفاتيكان: "البابا؟ كم فرقة عسكرية لديه؟". والتوثيق الأولي لهذه الواقعة ليس قاطعًا، والروايات تختلف في سياقها وتفاصيلها، لكنها تبقى التلخيص الأشهر لعقلية القوة الصلبة: من لا يملك فرقًا عسكرية، لا يُحسب له حساب. وهو المنطق نفسه الذي يستحضره جميل السيد، وإن بصيغة مختلفة، حين علّق على دعوة الرئيس جوزيف عون من الفاتيكان إلى إجبار إسرائيل على تنفيذ اتفاق الإطار ووقف اعتداءاتها: "جهود الرئيس ضرورية، ولكن إذا كانت ضمانة أميركا وترامب لم تنفع في ردع إسرائيل، فماذا يستطيع قداسة البابا؟".

المفارقة أن سؤال السيد، رغم جديته الظاهرة، يقوم على المنطق نفسه الذي طرحه ستالين قبل تسعين عامًا: أن القوة السياسية تُقاس بمدى القدرة على الردع المادي وحده، وأن ما لا يسنده جيش أو ضمانة عسكرية لا يستحق الرهان عليه. والتاريخ أجاب على سؤال ستالين بعد أربعة عقود، وكان الجواب قاسيًا على كل من يقيس القوة بعدد الفرق العسكرية فقط.

يوحنا بولس الثاني: حين واجهت الروحُ الحديدَ

في حزيران 1979، عاد كارول فويتيلا، البابا يوحنا بولس الثاني، إلى وطنه بولندا لأول مرة منذ انتخابه. لم يحمل معه جيشًا ولا فرقة عسكرية. أقام قداسًا في ساحة النصر في وارسو أمام حشد هائل، في مشهدٍ دوّى فيه النداء: "نريد الله". لم تكن كلمات دينية عابرة، بل تحوّلت في ذلك المشهد إلى تعبير جماعي عن مجتمع بدأ يكسر حاجز الخوف الذي رسّخه النظام الشيوعي طوال عقود. تلك الزيارة، كما توثّق أدبيات تلك الحقبة، أعادت للبولنديين شيئًا كانت الشيوعية قد صادرته: الإحساس بأنهم ليسوا وحدهم، وأن للكرامة الإنسانية سندًا أكبر من الحزب والدولة.

تلك الزيارة استمرت من 2 إلى 10 حزيران 1979، وبعدها بعام واحد وُلدت "تضامن" في أحواض غدانسك، أول نقابة عمالية مستقلة غير شيوعية في الكتلة السوفياتية، بقيادة ليخ فاليسا. لا يصحّ القول إن الزيارة وحدها أسقطت الشيوعية بخط مباشر؛ الأدقّ أنها ساعدت في كسر حاجز الخوف عند البولنديين، ومهّدت لظهور "تضامن"، وأسهمت في دينامية أوسع شارك فيها عوامل اقتصادية وسياسية متعددة، انتهت بسقوط جدار برلين عام 1989 وتفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991. لم يُطلق يوحنا بولس الثاني رصاصة واحدة. لكنه فعل شيئًا لم تستطع ترسانات حلف وارسو منعه: أعاد للناس إيمانهم بأن الطغيان قابل للسقوط.

لم تكن تلك قوةً عسكرية. لكنها كانت قوةً كافية لتغيير ما بدا مستحيلًا. ستالين مات عام 1953، قبل أن يُنتخب يوحنا بولس الثاني بربع قرن، فلم يشهد الجواب على سؤاله. لكن المنظومة التي ورثت عقليته شهدت ذلك، ثم بدأت تتصدع من الداخل.

لبنان وسؤال جميل السيد

حين يشكّك جميل السيد اليوم في جدوى تحرّك الرئيس عون نحو روما، فهو لا يناقش قدرة الفاتيكان وحدها، بل يعكس العقلية نفسها التي حكمت جانبًا كبيرًا من السياسة اللبنانية منذ عقود: أن القيمة السياسية تُقاس أولًا بالقوة النارية، وأن ما لا تسنده الدبابات يبقى، في هذا المنطق، محدود الجدوى. هذه العقلية بالذات هي التي حوّلت لبنان إلى دولة داخل دولة، وجعلت "الفرقة العسكرية" وحدها مقياس الجدّية السياسية.

التاريخ لا يعيد المشهد حرفيًا. لكنه يعرف كيف يُفشل هذا المنطق. الكنيسة التي لا تملك جيشًا أسهمت، إلى جانب قوى اجتماعية وسياسية واقتصادية أخرى، في تقويض منظومة سوفياتية كانت تملك آلاف الرؤوس النووية، لأنها خاطبت شيئًا لا يستطيع السلاح أن يخاطبه: كرامة الإنسان وإيمانه بأن القهر ليس قدرًا أبديًا.

ولبنان اليوم بحاجة لهذا النوع من القوة تحديدًا، لا نوعًا آخر. والبابا الحالي، ليون الرابع عشر، منح لبنان اهتمامًا مباشرًا: زار لبنان بين 30 تشرين الثاني و2 كانون الأول 2025، ضمن أول رحلة رسولية خارجية له بعد انتخابه شملت تركيا ولبنان معًا، واستقبل الرئيس جوزيف عون في الفاتيكان يوم 20 آب 2026، الزيارة نفسها التي أثارت تعليق جميل السيد. لا يملك ليون الرابع عشر عتادًا يرسله لتحرير الجنوب أو لنزع سلاح خارج الدولة. لكنه يملك ما لا يُقاس بالسلاح: منبرًا أخلاقيًا يخاطب اللبنانيين جميعًا، مسيحيين ومسلمين، فوق طوائفهم وسلاحهم وارتهاناتهم الإقليمية. وهذا بالضبط ما أقلق السلطات الشيوعية من زيارة بولندا عام 1979: ليس أن البابا سيقاتل، بل أن كلمته ستُحرّر الناس من الخوف الذي يبقيهم صامتين.

مع ذلك، الفارق بين الحالتين حقيقي ولا يجوز تجاوزه: بولندا 1979 كانت مجتمعًا متجانسًا نسبيًا يواجه نظامًا شيوعيًا خاضعًا للهيمنة السوفياتية، بينما لبنان مجتمع متعدد الطوائف، وسلاح خارج الدولة فيه مرتبط بمحور إقليمي وبتركيبة داخلية أكثر تعقيدًا. الرهان على المنبر الأخلاقي في لبنان أصعب وأبطأ مما كان عليه في بولندا، وهذا لا يُسقط قيمته، لكنه يفرض واقعية في توقّع أثره.

لا تُهزم هيمنة السلاح على الدولة بسلاحٍ موازٍ فقط، بل حين تتلاقى الإرادة الشعبية والفعل السياسي وسلطة الدولة حول مبدأ واحد: أن القرار الوطني ملك المؤسسات، لا ملك من يحمل سلاحًا خارجها. وحين يسأل جميل السيد عمّا يستطيع البابا فعله إن عجزت الضمانات الكبرى، فليتذكر أن سؤالًا من الجوهر نفسه طُرح قبل تسعين عامًا، وأن التاريخ لم يحسمه لمنطق القوة الغاشمة.

الاختزال الذي يقيس القوة بالعتاد وحده يصنع عنوانًا عابرًا؛ أما الإيمان بالكرامة والحرية، حين يتحول إلى وعي جمعي وفعل سياسي، فيستطيع أن يهزم الخوف. لا يستعيد اللبنانيون قرارهم الوطني بسلاحٍ خارج الدولة، بل حين يقررون ألا يحكمهم الخوف بعد اليوم.

بيار مارون

باحث ومحلل استراتيجي

رئيس منظمة دروع لبنان الموحد