الصراع على روح أوروبا
في أيلول 2026، اجتمع نحو 80 ألف شاب وشابة في ملعب «ستاد دو فرانس» للمشاركة في سهرة الصلاة التي ترأّسها البابا لاوُن الرابع عشر. وقبل جيلٍ واحد، ما كان كثيرون ليتوقّعوا ذلك.
على مدى عقود، ذهبت أطروحة العلمنة إلى أن التعليم والرخاء سيدفعان المسيحية تدريجياً إلى هامش الحياة الأوروبية. وبدت السويد دليلاً على ذلك: مجتمع حديث ومرفّه، يزداد ابتعاداً عن الدين.
لكن، وفقاً لكنيسة السويد، اختار 20,151 شخصاً، من عمر الثالثة عشرة فما فوق، الانضمام إليها عام 2025، مقارنةً بـ14,974 في العام السابق. ويعود بعض هذا الارتفاع إلى مراهقين يطلبون المعمودية خلال التحضير للتثبيت، أي إنه يعكس جزئياً برامج الكنيسة نفسها، فيما لا يزال إجمالي العضوية يتراجع. ومع ذلك، تتزايد حالات الانضمام الطوعي.
وفي فرنسا، يبدو التحوّل أكثر وضوحاً. إذ تفيد الهيئة المعنية بالتعليم المسيحي لدى مجلس الأساقفة الفرنسيين بأن 13,234 بالغاً استعدّوا لنيل سرّ العماد في عيد الفصح عام 2026، مقابل 4,124 عام 2016؛ أي أكثر من ثلاثة أضعاف العدد خلال عقد. وأصبح عدد من تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً بين هؤلاء يفوق عدد من تتراوح أعمارهم بين 26 و40 عاماً.
وتُظهر ألمانيا النمط نفسه على نطاق أصغر. فوفقاً لمجلس الأساقفة الألمان، نال 2,650 شخصاً، من عمر الرابعة عشرة فما فوق، سرّ العماد في الكنيسة الكاثوليكية عام 2025، بزيادة 28 في المئة عن العام السابق، في حين تراجع إجمالي المعموديات وغادر الكنيسة رسمياً أكثر من 300 ألف كاثوليكي.
تحتاج هذه الأرقام إلى وضعها في سياقها. فبلوغ عدد طالبي العماد ثلاثة عشر ألفاً يمثّل نمواً مهماً في بلد يضمّ 68 مليون نسمة، لكنه لا يشكّل حركة جماهيرية واسعة. أما استمرار هؤلاء المنضمّين الجدد في انتمائهم وممارستهم الدينية، فسؤال لا تجيب عنه إلا السنوات المقبلة.
وفي بريطانيا، سحبت جمعية الكتاب المقدّس في آذار 2026 تقريرها الصادر عام 2025 عن ارتفاع ارتياد الكنائس، بعدما كشفت مؤسسة «يوغوف» خللاً في بيانات الاستطلاع. وتؤكّد هذه الواقعة ضرورة التمييز بين المؤشرات المشجّعة والأدلة الموثوقة على نهضة أوسع. ومع ذلك، استقبلت أبرشيتا لندن الكاثوليكيتان، وستمنستر وساوثوارك، في عيد الفصح هذا العام أكبر عدد من البالغين المنضمّين إلى الكنيسة منذ عام 2011. ولا تكفي تجارب بضعة بلدان لإثبات اتجاه يشمل القارة، لكنها تتيح مساءلة الافتراض بأن كلّ جيل سيكون حتماً أقلّ تديّناً من سابقه.
لماذا قد يتّجه شباب أوروبيون نحو الإيمان؟ في قراءتي، يكتشف بعضهم معنى في إرث لم يتلقّوا تعليماً يعرّفهم به. وقد تسهم عوامل أخرى أيضاً، من الوحدة والتوق إلى الانتماء بعد الجائحة، إلى التعرّف عبر الإنترنت إلى الليتورجيا والصلاة. فقد نشأ كثيرون يعرفون الكاتدرائيات بوصفها معالم أكثر مما يعرفونها أماكن للعبادة، ويعرفون عيد الميلاد بوصفه عطلة أكثر مما يعرفونه تعبيراً عن عقيدة تتعلّق بالله. وحين يصبح التقليد غريباً حتى عن أبناء من حملوه، يقلّ ما يرثه كلّ جيل من معرفة يستند إليها في تكوين خياراته. وبعضهم، حين تتاح له الفرصة، يختار أن يعيد النظر.
يكمن جانب من أزمة الثقة الأوروبية في صعوبة شرح الأسباب التي تجعل إرثها جديراً بأن يُنقل إلى الأجيال التالية: إرث حضارة أسهمت المسيحية في تشكيلها إلى جانب الفلسفة اليونانية والقانون الروماني والتقليد اليهودي والتنوير. والتعليم الصادق يتناول ذلك كلّه: الكاتدرائيات والحروب الصليبية، والجامعات ومحاكم التفتيش، والمستشفيات والحروب الدينية. فالاعتزاز من دون توبة غرور، والتوبة من دون امتنان قد تقود إلى محو الذات. والشعب الذي يعجز عن شرح ما يقدّره سيجد صعوبة في نقله إلى أبنائه وإلى القادمين الجدد على السواء.
وليست هذه الثقة سلاحاً موجّهاً ضدّ أحد. فللمسلمين واليهود وغير المؤمنين والمسيحيين الذين فرّوا من الاضطهاد في بلدان أخرى مكان كامل في الحياة الديمقراطية الأوروبية، ويسهم غير المؤمنين في صون مؤسساتها بإخلاص لا يقلّ عن إخلاص سواهم. والمعيار الفاصل هو السلوك: قبول المواطنة المتساوية وحرية الضمير وسيادة القانون. وهذا معيار يُلزم الإسلامويين والقوميين وأصحاب الأيديولوجيات العلمانية والمسيحيين على السواء. واستدعاء الإيمان لتقييد حريات الآخرين خيانة للإنجيل الذي يُزعم الدفاع عنه.
وعلى المسيحيين أيضاً أن ينظروا إلى داخل مؤسساتهم. فكثير من الأوروبيين لم يبتعدوا عن الكنيسة من تلقاء أنفسهم فحسب؛ بل دُفع بعضهم إلى الابتعاد عنها. وقد ألحقت فضائح الاعتداءات والتستّر عليها، والإخفاق في نقل الإيمان، ضرراً بالغاً. وتتطلّب استعادة الثقة المحاسبة والتواضع وحماية المعرّضين للأذى والرعاية المستمرة لمن تضرّروا. ولن يدوم تجدّد يلقي اللوم كلّه على عوامل خارجية.
أكتب بصفتي لبنانياً مارونياً، أنتمي إلى كنيسة عاشت أقليةً في الشرق الأوسط منذ أكثر من ألف عام. وعلى مدى قرون، أقام بطاركتها في أديرة منحوتة في جروف وادي قاديشا. وقد أسهمت التحالفات السياسية والحماية الخارجية في تشكيل التاريخ الماروني، لكن الإيمان نفسه حمله كهنة القرى والرهبان والأسر التي علّمت أبناءها الصلوات بالسريانية والعربية. ويذكّرنا هذا التاريخ بمدى اعتماد انتقال الإيمان على فهم الناس لما يؤمنون به وتجسيده في حياتهم.
ويعلّمنا لبنان أيضاً ما يحدث حين يُختزل الإيمان في هوية طائفية. فقد كانت لحروبه أسباب عديدة تتجاوز الدين، والدفاع عن أمن الجماعة وحقوقها أمر مشروع. لكن التمثيل السياسي لا يستطيع، بمفرده، أن ينقل الإيمان. فذلك يجري في البيوت والرعايا والمدارس، وفي الحياة اليومية إلى جانب الجيران المسلمين والدروز. وتختلف ظروف أوروبا اختلافاً عميقاً عن ظروفنا، لكن الدرس يتجاوز حدودنا: فتاريخ أوروبا نفسه يعرف نهضاتٍ دينية اقترنت بالتوكيد القومي، ولبنان يُظهر إلى أين قد يقود هذا الطريق. وحين يصبح الإيمان راية، يكفّ عن أن يكون إيماناً.
وإذا حدث التجدّد، فسيأتي بالإقناع والقدوة: بالمجاهرة بالإيمان من دون خجل أو عدوانية؛ وبالوقوف إلى جانب الفقير والمريض والمهاجر والوحيد؛ وبتنشئة أبناء يعرفون إرثهم ويجدون متّسعاً لمساءلته. فمستقبل المسيحية في أوروبا يتوقّف على ما إذا كان الناس سيعتنقونها بحرية، وما إذا كانت الجماعات المسيحية ستثبت أنها جديرة بثقتهم.
بصفتي مسيحياً، أؤمن بأن أوروبا قادرة على العودة إلى المسيح من خلال الخيارات الحرّة لأناس يسعون إلى فهم ذواتهم ومعنى وجودهم. وفي توجّه الشباب نحو الكنيسة في هذه البلدان أجد سبباً للرجاء. ومهمّة الكنيسة أن تقابل هذا الرجاء بكلام صادق، ومؤسسات تخضع للمساءلة، وشهادة جديرة بالتصديق.
بيار مارون
باحث ومحلّل استراتيجي لبناني–أميركي
ورئيس منظمة «دروع لبنان الموحّد» (SOUL).