لبنان يقرّر عن لبنان: من المدّ الناصري إلى المشروع الإيراني-السيادة قضية لبنان المتكرّرة

 
القضية اللبنانية المتكرّرة، مهما تبدّلت أسماؤها وأدواتها، هي قضية السيادة. ففي كل مرة يرتبط القرار الوطني بمشروع يتجاوز حدود لبنان، يدفع اللبنانيون الثمن نفسه: دولة أضعف، وانقسام أعمق، ومستقبل معلّق بإرادات الآخرين.
 
منذ أزمة 1958، عرف لبنان المدّ الناصري، والسلاح الفلسطيني، والوصاية السورية، والاحتلالات والاعتداءات الإسرائيلية، والنفوذ الإيراني. وفي كل محطة، وجدت هذه المشاريع قوى لبنانية تستقوي بها أو تقدّم ولاءها الحزبي والأيديولوجي والإقليمي على الولاء للدولة. وهكذا خسر لبنان، مرة بعد مرة، جزءًا من قراره لمصلحة قوى لا تجعل مصلحته أولوية.
لهذا، لا تُختصر المأساة بحزب الله وحده، وإن كان موقعه اليوم في صلب الأزمة. فالمسألة الأعمق هي: من يملك القرار اللبناني؟ وكيف وصلنا، دولةً وطبقةً سياسيةً ومجتمعًا، إلى أن يصبح البلد مرارًا ساحةً لصراعات الآخرين؟
 
لا يمكن فصل نشوء حزب الله عن الاحتلال الإسرائيلي، ولا عن عجز الدولة في مراحل عديدة، ولا عن شرعية المقاومة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين. لكن الظروف التي أوجدت السلاح لا تمنحه حقًا أبديًا في البقاء خارج الدولة، خصوصًا حين يصبح جزءًا من مشروع إقليمي مرتبط باستراتيجية إيران. وحين يقرّر حزب وحده متى يستخدم السلاح وأين، أو يخوض حروبًا خارج الحدود، نكون أمام مسألة سيادة لا تحتمل الالتباس.
 
السيادة لا تُسلب دفعة واحدة، بل بالتقسيط: استثناء أول يوصف بالمؤقت، ثم استثناء ثانٍ يصبح مألوفًا، ثم دولة قائمة في الشكل فيما القرار الحقيقي في مكان آخر.
لذلك، فإن معالجة السلاح ليست ملفًا أمنيًا معزولًا، بل جزء من استعادة الدولة لوظيفتها الأساسية. والبديل عن السلاح الموازي ليس دولة عاجزة، بل دولة أقوى تحمي حدودها ومواطنيها بقرار وطني، وتعيد، بالإنماء والخدمات، الثقة إلى المناطق التي دفعت أثمان الحروب والإهمال. فلا يمكن مطالبة الناس بالتخلي عن مصادر الحماية التي اعتادوها ما لم تقدّم الدولة حماية فعلية وعادلة.
 
وفي المقابل، لا يجوز فصل حصرية السلاح عن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف الاعتداءات على لبنان. فالانسحاب حق سيادي، لا مكافأة مقابل تنازل. لكن الاحتلال لا يمنح أي طرف لبناني تفويضًا دائمًا بسلاح خارج الدولة، وإلا بقينا في الحلقة نفسها: إسرائيل تبرّر اعتداءاتها بالسلاح، والسلاح يبرّر بقاءه بإسرائيل، والدولة عالقة بينهما.
الخروج من هذه الحلقة لا يكون بانتظار من يتنازل أولًا، بل بمسار وطني متوازٍ لا يُعطّل فيه ملفٌّ ملفًّا آخر.
 
المبادئ وحدها لا تكفي. السياسة هي أيضًا أن تعرف كيف تقرأ اللحظة الدولية، ومتى تستثمرها.
 
نافذة يجب استثمارها
 
يقف لبنان أمام فرصة سياسية ودبلوماسية لا ينبغي إهدارها. فالاهتمام الدولي المتزايد بلبنان، والتحركات لدعم الجيش، والمفاوضات الجارية، والنقاش حول الجنوب والحدود وترتيبات ما بعد اليونيفيل، يمكن أن تتحول إلى عناصر قوة إذا عرفت الدولة كيف تستخدمها. لكن هذه الفرص لا تبقى مفتوحة إلى الأبد، ولا يحقّ للبنان أن يدخل الأشهر المقبلة متفرّجًا.
وقد أظهر الإفراج عن خمسة أشخاص كانوا محتجزين لدى إسرائيل، ونقلهم إلى لبنان عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أن العمل عبر المؤسسات والقنوات الدبلوماسية قادر على تحقيق نتائج عملية، ولو بقيت محدودة أمام حجم القضايا العالقة.
 
لكن الدرس ليس أن الخارج سيحلّ مشكلة لبنان، بل أن الدولة، حين تكون حاضرة، تستطيع أن تحوّل الدعم الخارجي إلى مكسب وطني.
فالتحالفات والوساطات ليست سيادة، لكنها قد تصبح أدوات في خدمتها عندما تحدّد الدولة الهدف والسقف والقرار.
المعادلة بسيطة: الخارج يساعد، والدولة اللبنانية تقرّر.
 
من القرار إلى التنفيذ
 
المطلوب اليوم ليس إعلانًا جديدًا عن حصرية السلاح، بل تنفيذها فعليًا. وقد انتقلت الحكومة بالفعل من المبدأ إلى القرار. ففي الثاني من آذار 2026، أعلن مجلس الوزراء أن قرار الحرب والسلم حصرًا بيد الدولة، وقرّر حظر نشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة وحصر عمله في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية.
وبعد ثلاثة أيام، قرّر مجلس الوزراء منع أي نشاط أمني أو عسكري لعناصر من الحرس الثوري الإيراني، وتوقيف المتورطين تحت إشراف القضاء تمهيدًا لترحيلهم، كما أعاد العمل بوجوب حصول الرعايا الإيرانيين على تأشيرة دخول إلى لبنان.
 
وأهمية هذه القرارات أنها تؤسس لقاعدة واحدة: لا يعمل على أرض لبنان أي جهاز أمني أو عسكري خارج سلطة الدولة، سواء كان حزبًا لبنانيًا أو تنظيمًا فلسطينيًا أو جهازًا أجنبيًا. فلا تستطيع الدولة أن تطالب العالم باحترام سيادتها بينما تقبل في الداخل بسلطات تتجاوز مؤسساتها.
 
لكن قيمة هذه القرارات لا تُقاس بجرأتها، بل بتنفيذها والاستمرار فيها: تعزيز الجيش وتثبيت انتشاره، واستعادة الأراضي المحتلة، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، وإنفاذ حصرية السلاح والقرار الأمني والعسكري. ومؤتمرات الدعم لا قيمة لها إن بقيت بيانات؛ المطلوب أن تتحوّل إلى قوة فعلية في يد الدولة.
ولا بدّ هنا من كلام واضح: حصر السلاح بيد الدولة ليس استهدافًا لطائفة ولا مواجهة مذهبية.
 
فالطائفة الشيعية ليست حزب الله، وحزب الله لا يختصر الشيعة ولا يحتكر تمثيلهم أو حقوقهم. كما أن الأمن ليس حقًا تمنحه الأحزاب لطوائفها، بل واجب تكفله الدولة لجميع مواطنيها.
إن ربط أمن الشيعة أو حقوقهم ببقاء سلاح حزب سياسي خارج الدولة ليس حماية للطائفة، بل تحميل لها مسؤولية خيار عسكري وتنظيمي لا يجوز اختزالها فيه. أما انتقال حزب الله من المعادلة العسكرية المستقلة إلى العمل السياسي ضمن المؤسسات، فمن شأنه أن يعيد مسؤولية حماية لبنان إلى موقعها الصحيح: الدولة وجيشها ومؤسساتها الدستورية.
ليس المطلوب أن يقدّم لبنان تنازلًا لإسرائيل. ولا أن ينتقل من نفوذ إيراني إلى نفوذ أميركي. المطلوب أن يستعيد لبنان دولته.
 
السيادة وسيلة الحماية
 
السيادة ليست مكافأة تأتي بعد زوال الأخطار، بل هي الوسيلة لمواجهتها. وهذا ينسجم مع جوهر القرار 1701، الذي يؤكد بسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل أراضيها بحيث لا يكون هناك سلاح من دون موافقتها ولا سلطة غير سلطتها، إلى جانب ترتيبات وقف الأعمال القتالية والانسحاب الإسرائيلي.
السيادة لا تتجزأ. لا تُطبّق على خصم وتُستثنى عند حليف.
 
لذلك يجب أن يكون المعيار واحدًا. لا وصاية ولا احتلال ولا إملاء خارجي، أيًّا يكن مصدره. لا سلاح لتنظيم فلسطيني ولا لحزب لبناني خارج سلطة الدولة. لا نشاط أمني أو عسكري للحرس الثوري الإيراني أو لأي جهاز أجنبي على الأراضي اللبنانية. لا دولة داخل الدولة، ولا جيش خارج الجيش، ولا حرب من دون قرار الدولة. ولا قبول ببقاء أرض لبنانية تحت الاحتلال أو باعتداءات تمسّ السيادة اللبنانية.
 
لبنان لا يقرّر عن لبنان حين تحلّ جماعة مسلحة محلّ الدولة، ولا حين تحلّ دولة أجنبية محلّه في تحديد أمنه وحدوده ومصيره.
ويستعيد لبنان سيادته حين يصبح اللبناني، عبر دولته وجيشه ومؤسساته الدستورية، صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في تقرير مصيره؛ وحين يستخدم علاقاته الدولية لتعزيز هذا القرار، لا للتنازل عنه.
 
لبنان يقرّر عن لبنان.
كان لبنان قبلهم جميعًا،
وسيبقى بعدهم جميعًا.
 
بيار مارون
باحث ومحلل استراتيجي
رئيس منظمة «دروع لبنان المتّحد» (SOUL)